الشيخ محمد اليعقوبي

325

ثلاثة يشكون (شكوى القرآن ، شكوى المسجد ، شكوى الإمام)

يغصموا بها هذه العروة الوثقى التي لا انفصام لها . ان هؤلاء مشمولون بقوله تعالى : [ وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ] وقوله تعالى [ بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ] . وقد قَرَّبَ أحد العلماء ذلك بمثال ، فقال : لو أن الأنبياء كلهم ، وهم مئة وأربعة وعشرون ألف نبي ، اجتمعوا في زمان واحد ، هل تراهم يختلفون على شيء ، أم ، تراهم متحابين متآلفين متوحدين ؟ ! ، لماذا ؟ لأنهم مخلصون ، لا يبتغون إلا رضا الله تبارك وتعالى ، فيتوحدون على هذه الهدف المشترك « 1 » . فمنذ ان هبط آدم إلى الأرض ، تصارع ولداه ، حين تقبل قربانُ أحدهما ، ولم يَتَقَّبل من الآخر ، فقال الأول ، الذي انساق وراء نوازعه النفسية واهوائه فتغلبتا على عقله ( لأقتلنك ) . قال الآخر ، الذي هذب نفسه ، وضبط شهواته ، وألجمها بلجام عقله : ( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ) . وحينئذ سقط الأول في هاوية جنهم ( فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ) « 2 » .

--> ( 1 ) وأيضا ، يعود السبب إلى الصلاية النفسية التي جعلت الأنبياء يصمدون على طول الطريق الرسالي ، فما وهنوا أمام الإغراءات والمعوقات . ولم تكن تلك الاغراءات بيتاً فارها أو حفنة من الأموال ، أو منصباً سياساً ، بل عُرضت عليهم الدنيا كاملة وجبال الذهب ، ولكن سخت نفوسهم الأبية عن كل ذلك ، وتجردوا لرسالتهم وهدفهم المشترك ، وكأن الأنبياء في توادهم وتراحمهم أسرة واحدة على امتداد التاريخ ، برغم الفوارق الزمانية بينهم . ( 2 ) والقرآن عندما يقص علينا قصة ابني آدم عليه السلام لا يريد بذلك الموعظة لنا فحسب ، بل التعمق في مسارب النفس الانسانية وسبر إغوارها ، والكشف عن خبايا هذه النفس لا يضبطها المنطق ، ولا تخضع لقوانين العقل . وهذه القصة مرآة نبصر من خلالها أعماق نفوسنا ، لكي نرى تلك المنطقة اللاشعورية التي تعمل بالخفاء دون أن تكشف عن نفسها حتى لصاحبها ، والتي تفاجؤه بأشياء لم تخطر على بال . فان ابن آدم كان يتوقع الصلاح من نفسه ، ولكن الاختبار فضحه وكشف حقيقته . ولم يتمالك نفسه من الثورة على أخيه ، فقتله دون مبرر لذلك إلا الحسد والحقد .